النسوية والذئب
خرجت النسويّة يوماً إلى الغابة العملاقة التي هي المجتمع العربي وإذا بها تلتقي بذئب الإعلام العربي اللئيم.
سأل الذئب بإبتسامة عريضة الأنياب: “إلى أين تذهبين يا نسويّة؟”
جاوبت النسويّة: “أذهب إلى جدتي! أحمل لها سلةً مليئةً بأفكارٍ جديدة رائعة، أفكار ثورة وعدالة ومساواة حقيقية لنساء غابتنا. زرعتها وسقيتها بقراءاتٍ و نقاشات ورأيتها تزهر فقطفتها وصنعت منها المربى والدبس والحلوى. آخذها إلى جدتي لترى ماذا صنعت بحديقتها الصغيرة التي وصّتني بها!”
قال ذئب الإعلام العربي اللئيم: “أعطني السلة، عزيزتي نسوية! آخذها وأحسّنها وأجمّلها وأوصِلها إلى الشعب العربي!”
جاوبت النسويّة: “كلا، السلة كاملةٌ مثلما هي، لا أريد بيعها لأحد. هل توصلها إلى الشعب العربي كما هي، بدون تشويه؟”
“غرررررر! كم أنت عنيدة!” صرخ الذئب وركض بسرعةٍ ليسبق النسويّة إلى بيت جدتها.
فكرت النسويّة: ما أحمق هذا الذئب! وأكملت طريقها إلى جدتها، فرحة بأفكارها وسياساتها الجديدة. سوف أغيّر العالم! سوف أذهب بمبادئي النسويّة إلى جميع نساء الغابة. سوف أنادي بالحرية والمساواة لكل النساء!
***
وصلت إلى منزل جدتها تصرخ: “جدّتي! جدّتي! لقد أتت نسويّتك الصغيرة، معها آمالاً وأحلاماً جميلة!”
لكنها عندما رأت جدتها استغربت من شكلها، فكان الذئب قد لبس ثياب الجدة التي كانت قد خرجت لصبحيّة مع جاراتها في الغابة.
“أهلاً أهلاً عزيزتي النسويّة!” قال الذئب “أخبريني عن أفكارك الجديدة! هل فيها نساء مساكين مضروبة ومورّمة تبكي وتنوح؟”
إستغربت النسويّة وقالت: “كلا، أبداً، أفكاري عن نساء قويّات تقاوم العنف والإستغلال وتساعد غيرها لترفض كل أنواع العنف الجسدي والمعنوي في عائلتها وبيتها ومجتمعها.”
فكّر الذئب: همم.. لا شيء لذيذ في هذا الموضوع.. فسأل: “ماذا عن النساء التي تتحارب مع نساء من طوائف وأحزاب وجنسيّات أخرى؟ أو مع جارتها التي أجمل منها أو التي اشترت سيارة أجدّ منها؟؟”
جاوبت النسويّة: “ما هذا السؤال يا جدتي؟ طبعاً لا. النساء في سلتي النسويّة لا تأبهن بالطوائف والأحزاب والجنسيّات.. النساء العربيّات في سلتي متّحدة مع بعضها البعض، تدعم بعضها من دون أن تكترث لإختلافات الأخرى ولا لونها ولا خلفيّتها ولا شكلها ولا مذهبها. لقد حسّنت حديقتنا، جدتي، لقد زرعتها بأفكارٍ تتحدى العنصرية والطبقية والتمييز.”
فكر الذئب: كم هذا ممل.. وسأل: “هل لديك نساء عوانس بشعةٌ جداً تكره الرجال لأنها لم تجد من يتزوّجها؟؟”
“كلا كلا يا جدتي.. ما هذا الكلام الفارغ؟ النسويّة لا تكره الرجال. ننادي بالمحبة والمساواة والسلام، فكيف نكره أحداً؟ نسويتي تقف بوجه الذكورية والتمييز بحقوق نصف المجتمع على أساس الجندر. تشجّع الإستقلال الذاتي للمرأة في مجتمعاتها. ألا تعرفين أن محاربة الذكورية تعني الحرية للمرأة والرجل معاً؟”
فكر الذئب: أفففف.. لا أفهم شيئاً، أريد مادّة لذيذة دسمة لبرامجي.. هل تستهبلني هذه النسويّة؟ لحظة! وجدتها! وسأل: “هل لديك نساء رخيصة، جاهلة تدمّر مجتمعنا بتصرفات ضد تقاليدنا وشرفنا؟”
“معقول هذا الكلام يا جدتي؟ كيف يعقل للحريّة أن تدمّر مجتمعاً؟ ألم تدمّر كل سنوات الحرب والكراهية مجتمعنا أصلاً؟ ألم تُقمع أجساد النساء عبر القرون بإسم الشرف والتقاليد؟ ألم نكتفي ذلّاً وإهانةً وسجناً؟ علينا أن نقف بوجه الهيمنة على أجسادنا وأفكارنا وأنفسنا. نقف ضد كل الأصوات التي تقول لنا:
لست جميلة، إستعملي مستحضرات التجميل.
لست نحيفة، إستعملي أدوية الحمية.
لست مُحترمة، إلزمي منزل والدك حتى يأتي العريس فيهديك إحتراماً وشرفاً وهدفاً لحياتك.
علينا أن نثور، جدّتي، علينا أن نصرخ حتى تعلو أصواتنا فوق كل صوت يقول لنا: لست جميلة كفايةً، لست ذكية كفايةً، لست جديرة كفايةً!”
غضب الذئب وصرخ: “ما هذا الهراء! تعبت من هذه التفاهات! وكشف عن وجهه المغتاظ. ظننت أن لديك أفكاراً مشوّقة صنعت منها حلوى لذيذة، لكن أفكارك فارغة، سوف تقع على آذانٍ أصمّ! من يأبه بالنسويّة؟ لا الرجال ولا النساء. ماذا ستغيّرين أيتها النسويّة البلهاء؟ ما هذه الحريّة السخيفة التي تنادين بها؟ ولّت أيام الثورة والراديكالية.. إرحلي من هذه الغابة! إرحلي بعيداً أو إخرسي واقبلي ما كُتب لكِ ولأمثالك!”
وقفت النسوية مصدومة ومذعورة من صوت الذئب الجبّار. فهجم عليها وإنتزع سلّتها ومزّق محتوياتها النسويّة وصرخ: “لا أحد يأبه بك يا نسوية! الكل في هذه الغابة يستمع لي. يأكلون ما أطعمهم. يرقصون على النغمات التي أعزفها لهم. يصدّقون الحكايات والآراء التي أرويها لهم كل يوم. لن تقدرين على محاربة سلطتي ونفوذي وسرعتي!”
ترك الذئب النسويّة في منزل جدّتها، تلملم أفكار سلّتها والدموع تنهمر على وجهها.. وإذ تصل الجدة عائدة من صبحية جاراتها، فصرخت لها النسويّة تحت دموعها: “جدّتي!”
***
هرعت إليها الجدة: “ماذا حصل يا نسويّتي الصغيرة؟!” فأخبرتها النسوية قصتها مع الذئب وبكت قائلةً: “لقد دمّر سلتي، جدتي! دمّر كل أفكاري النسويّة!”
فجاوبت الجدة: “كيف يدمّر أحد نسويّتك يا حبيبتي؟! انها مزروعةٌ في فكرك وقلبك وقناعاتك!”
“لكنه أقوى مني بكثير يا جدتي.. يصل بسرعة إلى الغابة كلها.. يستمع إليه الجميع.. لن يسمح لي بإيصال أفكاري إلى أحد!”
جاوبت الجدة: “طبعاً لن يقبل بأفكارك يا نسويّة، يريد الذئب أن يبيع صورة مرأة عربية بلاستيكية تعنى بالأمور الصغيرة، لا رأي سياسي لها إلا إذا كان رأيها يصبّ في مصلحة السياسة المعتادة. يريد نساءً تتكلم عن مأساتها بدراما وبكاء، أو ترقص وتغنّي على مسرح برامج التسلية. وهل توقّعت أن يتصرف الذئب المسيّس الرأسمالي غير ذلك؟”
“لكنه يستطيع أن يصل إلى سكان الغابة بأكملها في غضون دقائق جدتي، كيف سأصل اليهم وحدي؟”
فكرت الجدة وقالت: “عليك أن تصبحي ذئباً.”
“كيف؟” سألت النسويّة بحيرة.
“عليك أن تخترعين إعلاماً جديداً، إعلامك الخاص النسويّ!”
“وإن حاولت يا جدتي؟ لن استطيع أن أتبارى مع الذئب!”
“إذاً تحاولين أكثر! تعملين بجهد أكبر! تصرخين وتنادين حتى يصل صوتك إلى الناس!”
فكرت النسوية وهي تمسح دموعها وقالت: “وعندما تسمعني النساء تضمّ صوتها إليّ ويعلو صوتنا النسوي.. فصوتنا مجموعات سيعلو فوق صوت الذئب!”
صرخت الجدة: “أجل! كم من فتاة وإمرأة تنتظر صوتك النسوي منذ سنوات؟ كم منهن تنتظر أن تقول: ها قد أتت النسويّة تنادي بالحرية التي أريدها!”
قفزت النسوية وغمرت جدتها وركضت إلى الغابة تقول لنفسها بفرح وبهجة: “سوف نركض أسرع من الذئب.. سوف يعلو صوتنا فوق صوته.. سوف نصل إلى كل النساء التي بانتظارنا.. سوف نثور.. وسوف نخترع وسائل اعلامنا الخاص النسوي!”
فلما وصلت النسوية إلى حديقتها الصغيرة، زرعت بذور إعلام عربي جديد.
| This entry was posted by Nadine on December 29, 2009 at 5:28 pm, and is filed under Campaigns, My Best Posts, Things from my life. Follow any responses to this post through RSS 2.0. You can leave a response or trackback from your own site. |
- Global Voices Online » Lebanon: Bloggers Participated in “Kolena Laila”
- Lebanon: Bloggers Participated in “Kolena Laila” :: Elites TV
- Global Voices in Italiano » Libano: molti i post sulla condizione della donna araba per l’iniziativa Kolena Laila
- Libano: molti i post sulla condizione della donna araba per l’iniziativa Kolena Laila – fabiolatino.it







![8march1979[1] 8march1979[1]](http://www.nadinemoawad.com/wp-content/uploads/2010/10/8march19791-100x100.jpg)







about 2 years ago
Nice allegory!
about 2 years ago
This was well Put
Loved it!
about 2 years ago
Great entry, very smart and entertaining to read
about 2 years ago
كتتتتير حلوة حبيتا!
about 2 years ago
LOL
Loved it
about 2 years ago
حبيتها أيضا!
فعلا حلوة يا نادين…